السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
444
مفاتيح الأصول
ما ذكر في جملة من الكتب ففي الذريعة ومما يلحق بهذا الباب خبر الأمة كلها إذا خبرت عن شيء فالواجب أن يعلم كونه صدقا لأن الدليل قد دلّ عندنا أن في جملة الأمة الإمام عليه السلام في كلّ زمان وقوله حجة لعصمته وفي العدة قال السيّد المرتضى وأما خبر الأمة إذا اعتبرناه فإنما نعلم بخبرها لما تقدّم من العلم بكون المعصوم عليه السلام فيها وفي النهاية خبر كل الأمة صدق أما عندنا فلدخول المعصوم عليه السلام وأما عند الجمهور فللأدلَّة الدالة على صدق الإجماع انتهى وبالجملة الوجه في الحكم بصدق ما اتفق عليه جميع الأمة أن الإمام المعصوم عليه السلام من جملتهم وهو صادق كما تقدم إليه الإشارة وعلى هذا لا يختص الحكم بإجماع جميع الأمة بل يعم كل اتفاق علم أن المعصوم عليه السلام أحد المتفقين ولو كان الاتفاق حاصلا من اثنين وكذا يعم كل اتفاق يعلم رضاء المعصوم عليه السلام بما اتفقوا عليه ولو بشاهد الحال المفيد للقطع ولا يختص ما ذكر بالمسائل الشرعية الفرعية بل يعم الأصلية والأصولية وغيرها من سائر العلوم كالرّياضي والهندسة والحساب والطبّ والنحو والصّرف والبيان وغير ذلك لأن قول المعصوم عليه السلام ورضاءه في كل مقام صدق وصواب وثانيهما ما ذكره بعض العامة فقال خبر كل الأمة صدق لأن الإجماع حجة هكذا استدل عليه الإمام فتبعه المصنف وغيره فإن أراد الحجيّة ما هو مقطوع به وهو الَّذي صرّح به الآمدي هنا فالإجماع ليس كذلك عندهما كما ستعرفه وإن أراد بالحجية ما يجب العمل به فمسلم لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون مقطوعا به لأن أخبار الآحاد والعمومات وغيرهما مما يجب العمل بها مع أنها ظنية انتهى وما ذكره من الإيراد في غاية الجودة فيرد على المبادي وشرحه لفخر الإسلام حيث قالا الإجماع صدق لما بينا أن الإجماع حجة انتهى إلا أن يقال إن وجه الحجّة عندهما كسائر الإمامية منحصر في كونه كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام أو رضائه ورابعها ما حكاه في الذريعة عن قوم فقال قد ألحق قوم بهذا الباب أن يعلم أن الأمة أجمعت على العمل بمجرّد بعض الأخبار لأجله وادّعوا أن ذلك يدل على كون الخبر حجة مقطوعا بها لأنه لو لم يكن كذلك لردّه بعض وقبله بعض آخر وادعى أن عادتهم بذلك جارية وهذا ليس بصحيح لأن بإجماعهم على الحكم يعلم صحته فأما أن يعلم صحة الخبر الذي عملوا به ولأجله فلا يجب ذلك لأنهم قد يجمعون على ما طريقه الظن كالقياس والاجتهاد وأخبار الآحاد العامة المدّعاة غير صحيحة ولا معلومة وقد استقصينا في الكتاب الثاني الكلام في هذه النكتة عند تعويل مخالفينا في صحة الخبر المروي عن النّبي صلى الله عليه وآله لا تجتمع أمتي على الخطأ على مثل هذه الطريقة انتهى وقد تعرض السيّد لهذه المسألة في مقام آخر على ما يظهر من العدّة فإنه قال قال السيّد وأمّا الخبر إذا روي وعملت الأمة بموجبه لأجله فعند من قال لا يجوز العمل بخبر الواحد يبقى أن يكون دلالة على صحّته لأنه لو لم يكن صحيحا لأدى إلى اجتماعهم على العمل به وهو خطاء وذلك غير جائز عليهم وأما من قال بجواز العمل بخبر الواحد فلا يمكنه أن يقول إن ذلك دلالة على صحته لأنهم إذا اعتقدوا جواز العمل بخبر الواحد جاز أن يجتمعوا عليه وإن لم يكن صحيحا في الأصل كما أنهم يجوز أن يجتمعوا على شيء من طريق الاشتهار عندهم وإن لم يكن طريق ذلك العلم انتهى وأشار إلى هذه المسألة بعض المخالفين فقال قال جماعة من المعتزلة الإجماع على العمل بموجب الخبر يدلّ على صحّته قطعا لأن العادة في الظنون أن يقبله ويردّه بعضهم وما قالوه باطل وكذا أشار إلى هذه المسألة في النهاية فقال زعم أبو هاشم والكرخي وتلميذهما أبو عبد اللَّه البصري أن الإجماع إذا وقع على العمل بموجب الخبر دلّ على صحته وهو باطل لأن عملهم بمقتضى الخبر يجوز أن يكون لدليل آخر فإن قيام الدلائل الكثيرة على مدلول واحد جائز ولأن عمل كل الأمة بمقتضاه لا يتوقف على القطع به وإذا لم يتوقّف على القطع به لم يلزم ثبوته احتجوا بأن عامة السّلف فيما لم يقطعوا بصحّته أن يرد مدلوله بعضهم ويفعله آخرون والجواب منع العادة لاتفاقهم على حكم المجوس بخبر عبد الرحمن انتهى والتحقيق أن يقال إن جميع الأمة إذا عملوا بخبر واستندوا إليه في حكم شرعي فهو دليل على صحة الخبر وكونه صدقا لأن من جملة الأمّة الإمام عليه السلام وهو لا يجوز له العمل بخبر الواحد وكلّ دليل ظني كالمجتهد فاستناده إلى ذلك الخبر يقتضي كونه صدقا وصحيحا وذلك واضح وقد أشار إليه السيد فيما حكاه عنه في العدّة فقال فأما الأمة إذا بلغت الخبر بالقبول وصدقت ذلك دليل على صحته لأنه لو لم يكن صحيحا لأدى إلى اجتماعها على خطأ وذلك لا يجوز مع كون المعصوم عليه السلام فيها ومتى بلغت الخبر بالقبول ولم يصدق به فذلك لا يدل على صدقه لأن هذا حكم أكثر أخبار الآحاد وأما إذا حكمت الأمة بحكم يوافق مضمون الخبر فهو كالخبر الذي يوافق مضمونه دليل العقل فيكون صدقا إن فسّر الصدق بمحض المطابقة للواقع ولا يقدح في هذا احتمال عدم صدور هذا الخبر ممّن أخبر عنه بل ولا العلم بعدم الصدور وبالجملة غاية ما يلزم من ذلك الحكم بحقية مضمون الخبر ومعناه وأما عباراته وألفاظه فلا لاحتمال صدورها من غير من نسب إليه وكونها افتراء إذ ذلك ممكن عقلا وعادة فهذا الخبر صدق بحسب المعنى ويحتمل الصدق والكذب بحسبه فإذا لألفاظه دلالة على غير محل الإجماع إما مطابقة أو تضمّنا أو التزاما فلا عبرة بها أصلا وأما إذا علم بصدق الألفاظ فيلزم العمل بتلك الدلالة قطعا لكن لا يلزم منه الحكم بأن المخبر يعتقد الصّحة والصدق لاحتمال كون إنشاء الخبر والتحرير من المخبر ولكن صادف الواقع فإن فسّرنا الصّدق باعتقاد المطابقة والكذب بعدمه أو باعتقاد العدم فالخبر المفروض كذب على تقدير معلومية الاحتمال المذكور ومحتمل للصدق والكذب على تقدير عدم المعلوميّة هذا كلَّه بالنظر إلى لحاظ العقل وأما بالنظر إلى العادة فقد يحصل العلم العادي بصحة صدور الخبر وقد يحصل الظن بذلك وقد لا يحصل شيء من الأمرين وذلك واضح وإذا عمل الأمة غير الإمام عليه السلام بخبر واستندوا إليه في حكم شرعي فهل يدل على صدق مضمون الخبر وصحة صدوره أو لا يدلّ على شيء من الأمرين دون الآخر التحقيق أن يقال إن وجب على